المقداد السيوري
92
الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد
--> لا تهين الكريم علّك أن * تركع يوما والدهر قد رفعه وإنّما أراد به علّك أن تخضع يوما . قيل له : الرّكوع هو التّواطؤ المخصوص ، وإنّما يقال للخضوع ركوع تشبيها ومجازا ، لأنّ فيه ضربا من الانخفاض ، والّذي يدلّ على ما قلناه : ما نصّ عليه أهل اللّغة ، ذكر صاحب كتاب العين فقال : كلّ شيء ينكبّ لوجهه فيمسّ ركبته الأرض أو لا يمسّ بعد أن يطأطئ رأسه ، فهو راكع . وقال ابن دريد : الرّاكع : الّذي يكبو على وجهه ، ومنه الرّكوع في الصّلاة ، قال الشّاعر : وأفلت حاجب فوق العوالي * على شقّاء تركع في الظّراب أي : تكبو على وجهها . وإذا ثبت أنّ الحقيقة في الرّكوع ، ما ذكرناه لم يسع حمله على المجاز من غير ضرورة . فإن قيل : قوله : « الَّذِينَ آمَنُوا » * لفظه عامّ ، كيف يجوز لكم حمله على الواحد ، وهل ذلك إلّا ترك للظّاهر ؟ ! قيل له : قد يعبّر عن الواحد بلفظ الجمع إذا كان عظيم الشّأن عالي الذّكر ، قال اللّه تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ) وهو واحد ، وقال : ( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ) وقال : ( إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ ) وقال : ( ربّ ارجعون ) ونظائر ذلك كثيرة . وأجمع المفسّرون على أنّ قوله : ( الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ) أنّ المراد بقوله : ( النّاس ) الأوّل : نعيم بن مسعود الأشجعيّ ، وقال تعالى : ( أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ) يعني : رسول اللّه ( ص ) وقوله تعالى : ( الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا ) نزلت في عبد اللّه بن أبي سلول ، وإذا كان ذلك مستعملا على ما قلناه ، فكذلك قوله تعالى : ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) * نحمله على الواحد الّذي بيّنّاه . فإن قيل : أليس قد روي أنّ هذه الآية نزلت في عبد اللّه بن سلام وأصحابه فما أنكرتم أن يكون المعنيّ ب : ( الّذين آمنوا ) هم دون من ذهبتم إليه . قلنا : أوّلا ما نقول إنّا إذا دللنا على أنّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين ( ع ) بنقل الطّائفتين المختلفتين ، وإنّما ذكرناه من اعتبار الصّفة المذكورة في الآية وأنّها ليست حاصلة في غيره فقد بطل ما روى من هذه الرّواية . على أنّ الّذي روي من خبر عبد اللّه بن سلام خلاف ما ذهب إليه السّائل ، وذلك أنّه روي أنّ عبد اللّه بن سلام كان بينه وبين اليهود محالفة فلمّا أسلموا قطعت اليهود محالفته وتبرّءوا منهم فاغتمّ بذلك هو وأصحابه ، فأنزل اللّه هذه الآية تسلية لعبد اللّه بن سلام وأنّه قد عوّضهم من محالفة اليهود ولاية اللّه وولاية